أبي طالب المكي
146
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يستفيد الآن علم ما لم يكن علمه فيما لم يزل ، فيكون متكلَّما بما لم يشهد وهو معلومه منطو في علمه ، أو يكون مستزيدا بما أظهر حين ظهر وهو في قبضته وغيبه ، جلّ عن ذلك وصفه وعلا عن هذا جلاله وعزّه لأنّ نظر سعة علمه وعلمه حيطة نظره ، فهو ناظر إلى ما علمه بوصفه لا يختلف عليه أوصافه . فالكون موجود له بعلمه لسبق علمه به ، ولا بيان له في علمه ولا أثر له في وصفه ولا وجود للكون في وجود كينونته ، ولا قدم له في قدم أزليته . ليس محلا للكون ولا هو حال فيه ، ولأن أوليته سبقت الكون والمكان فليس لهما في قدمه قدم . كما أنه تعالى يشهد الآن ما يكون من العاقبة والمآل إلى آخر الأحوال ، لا يختلف الأواخر والأول في صفاته ولا تتفاوت صفاته على ترتيبها من نظر وعلم ، لأنها معلوم علمه وموجود إرادته . فهو سبحانه وتعالى واجد الأشياء به لا بها ، وناظر إليها في علمه لا بوجودها لاقتداره عليها وإحاطة علمه بها . والكون معدوم لنفسه لتلاشيه لأنه سبحانه وتعالى خالق العدم كما هو خالق الوجود ، ليس للعدم قدم مع قدمه فيكون ثانيا معه ، ولا الكون كائن موجود بنفسه فيكون أولا مع أوليته . جلّ الواحد المتحد بنفسه عن ثان معه في الأزل أو شريك له في القدم ، ثم ظهرت الأشياء لنفوسها فظهر بعضها لبعض بإظهاره ، فوجدت بإيجاده وظهر عليها بإظهاره بحد ووقت لا أول لها ولا قبل بل هو الأول الذي لم يزل بلا أول ، والقديم الأبد بلا وقت ولا أمد قائم بصفاته . وصفاته موجودة له قائمة به ، فمن شهد ما فصلناه بنور اليقين لم يدخل عليه قدم العالم ، إذ لا قديم مع الله في كينونية أزله . ومن لم يهتد بما بيناه ووقف مع العقل ودخلت عليه شبهة قدم العالم ، فالحد برؤيته قدم الحدثان أو جحد قدم العلم ، ينفي وجود الحدث فيه . وهذا شرك بالصفات بترتيبه إياها بالعقل . ونحن بريئون من شهادته ، مبطلون لدعواه منكرون لشركه في القدم ، موحدون باليقين ما ألحد بالعقل ، لأنّ من قال : إنّ شيئا قديم مع الله تعالى أو موجود بنفسه لنفسه ، فقد أشرك في الصفات . ومن قال : إنّ الله سبحانه نظر بعد أن لم ينظر أو علم بعد أن لم يعلم أو تكلم بعد أن لم يتكلَّم ، فقد قال بحدوث الصفات وقدم عليها لمعلومات ، بل المعلومات منطوية في العلم لا أثر لها فيه ، والله قديم بعلمه واجد لمعلومه بنفسه عن علمه به لقدرته عليه يقهره ، وناظر إليه بعلمه لا بعدم معلومه والمعلوم معدوم لنفسه غير موجود بنفسه حتى أحدثه وأوجده ، فظهر حين أظهره لمن أظهره بعضا لبعض لا لنفسه ، إذ قد فرغ منه لعلمه به لا أنه قرب له نظره ، كما لم يحدث به علمه لنفسه وعلمه صفته لم يزل له وهو قائم بوصفه ، ولا يجوز أن يحدث له شيئا لم يعلمه . كذلك لا ينبغي أن يفقد شيئا لم يجده . ومن اختلف عليه ما ذكرناه دخل عليه مذهب المعتزلة والجهمية ، لأن المعتزلة مجمعة على اختلافهم أنّ الله تعالى لا يرى الشيء حتى يكون ،